قصيدة

الهائمة

وحدي وقفت على الربا كالطير في الليل البهيمْ
عشقَ الجمالَ فهام في الدنيا بأصداء النعيمْ
كم راح يخفق في الفضاء كأنه ملكُ الفضاءْ
وعلى الغصون الحالمات تراه يحلم في رجاءْ
كم راح في غسق الليالي هائماً بين الرُّبَی
يشدو بأنغام المحبة والسعادة والمنى
يشدو وحيداً في ليالي الصيف باللحن الجميلْ
فإذا الوجودُ وما به مُصغٍ إليه في ذهولْ
وإذا السماءُ وقد تبدَّتْ بالضياء وبالرواءْ
وتكشَّفتْ منها أفانينُ الحياة مع الصفاءْ
جاء الصباح وقد تبدَّی بالحياة وبالأملْ
وتهافت الطير المطلّ على الحقول بلا مللْ
نشرت طيورُ الجو أجنحة النسيم الصافيةْ
تهفو إلى حلو الأماني في السماء العاليةْ
لاتشتكي ألماً ولا تخشی صراع الكائناتْ
الله أودع في دُناها كل أحلام الحياةْ
ومشيت وحدي في الطريق كأنني طير كسيرْ
ضل الطريق فراح يبحث عن أليف أو عشيرْ
یانهر هبني من سلافكَ ... إنني زهر الأقاحْ
خرجت به الأمواج من قلب الجنان إلى البطاح
أرنو إلى الأمواج تهزج في الصباح وفي المساءْ
وإلى الجداول تبعث السلوی وتودي بالعناءْ
وأنا الوحيدة في حمى هذا النُّهيرِ المستكينْ
أبكي على رجعِ النّواح فما يرقّ ولا يلينْ
وکأننا أخوان قدحرما الأبوّة في الصغرْ
يبكي بألحان الحياة وقد تلاشت في الحجرْ
فيهيجني هذا البكاءُ فأسكب الدمع السخينْ
في هيكل الفن المهيب وروعة الليل الحزينْ !
یا صاح إني خير من يحنو عليك فلا تخفْ
سيّان عندي من تبدَّی بالقساوة أو عطفْ
ماذا تؤمل من زمان ظالمٍ منذ القدمْ
تمضي السنون الجاريات كأنها سيل العرم
تمضي ولا تبقى سوى أثر ضعيف في الرمالْ
يا ويحها هانت وكانت شامخاتٍ كالجبالْ !
خففْ نواحك يا نهير فليس يجديك النواحْ
وابعث الينا رشفة تشفي الكليم من الجراحْ !
واسلك سبيلك في الحياة كما شرعت ولاتنی
واصدحْ بأنغام الخلىَ فإننا في مأمنِ!
يا نجمُ لاتحجب شعاعك إنّ أیامیِ حدادْ
عمر الطفولة قد تقضي في الصحاري والبوادْ
وقضيت شطراً من حياتي في الرمال الهاجرة
فابعث من الإيحاء ما يحيي النفوس الشاعرهْ
قالت لي الأفلاك إني قد علوت عن البشرْ
أهدي الطريدَ وقد أضلَّته المنايا والقدرْ
كم من أناس قد هديت من الشرور المستطيرةْ
وعلوت بالروح الكريم إلى الحياة المستنيرهْ
فأووا إلى کنفي وقد نسوا الشقاوة والعذابْ
وجدوا المحبة في ظلالى فاستراحوا للثوابْ!
هذى القوافل قد تهادت في طريق الصحراءْ
تسری کأبناء الطبيعة عشّها ذاك الخلاءْ
کم ریاحٍ قد رمتهم في يمين أو شمال!
كم من رياح قذفتهم في صعيدٍ أو تلالْ
وتصدَّع الصخر المكلّل للوهادِ وللبطاحْ
وتجاوبت معه الرياحُ بكلِّ لحن مستباحْ
ياصخرُ ما لكَ قد وقفت وقد تغيرت الجواءْ
أتراكَ زهر الخلد يطلع هاهنا يحكي السناءْ؟
حين المياه تجاوبت أصداؤها ملء الخريرْ
هذه حصونك يارمال وديعة الرب القدير
ثمّ الرياح تجاوبت كالرَّجع في جوف الفضاء
فأفاقت الدُّنيا على نغم تشعَّبَ في السماءْ !
إيه أياثمرَ الجنان تكشَّفتْ عنه المياهْ
أتراك سرّ الفنّ يوحى بالبهاءِ وبالحياةْ
لهفي على هذي الصّخور بخلوةٍ كالعابدِ
أخذت تناوئها أعاصيرُ القضاء الكائدِ
لهفي على الجبل الوقور وقد تداعی صرحهُ
والنسف هتك كرامة الحصن العتيد وجرحهُ
لهفي على الرمل المبعثر مثل ذرات الشعاعْ
تمضي تُناوئُه الرياح بقسوةٍ لا تُستطاعْ
لهفي على الطير الشريد وقد تعثَّر في خطاهْ
والشعر قد شمل الرمالَ كأنها دنيا الأساه
حتى الزوارقُ وهي تطفر كالطفولة في حبورْ
لم تشف قلباً ضجَّ بالحرمان أوشكَ أن يثورْ
ياليلُ ماهذا الظلامُ الحالكُ المترصّدُ؟
هل ذاك سجن قائمٌ أم ذاك باب يوصدُ؟
أم ذاك قلب العالمين وقد تجلل بالسَّوادْ
فشرى الضلالة بالهدى وازورَّ عن نهج الرشادْ
حتى غدا والبحرُ يزبدُ والرياحَّ صواخبُ
والسفنُ تقذفها إلى صدر الضفاف رغائبُ
والناس في دنيا المطامع يذهبون ويغتدونْ
باعوا ضمائهم بأسعار المهانة والمجونْ
أصخوا جياعا كالذئابِ أو الوحوش الضارية
وتقاسموا جثثَ الضحايا والمخالبُ داميَهْ!
ديوان شعر

صدى احلامى

الناشر مطبعة وادي النيل
عدد الصفحات 152
تاريخ الاصدار 1936

قصائد الديوان

تفحص قصائد اخرى من الديوان

كتب اخرى

تفحص كتب اخرى من اصدارات جميلة العلايلى

حياتها وسيراتها

من الطفولة لخريفها

اعمالها الأدبية

من الشعر والنثر والمقالات

الصالون الأدبى

من الشعر والنثر والمقالات

مكتبة جميلة العلايلى

من الشعر والنثر والمقالات

مجلة الأهداف

من الشعر والنثر والمقالات