قصيدة

من وراء القبور

أيها الطارق في وادي الكرىأيها الساري إلى أين السُّرَى؟
أقريب أنت منا ياترىأم بعيد فوق هامات الذرا
ياقريبًا في احتجابْيابعيداً في اقترابْ
أنت فيمن عاشأو فيمن قبرْ؟
أيها الطارقُ: إنّا مِن زمنْدارت الكأْسُ علينا بالمحنْ
ورواءُ الحسن أضحى والكفنْمزقاً طاحت بها أيدى الزمنْ
وعرانا ما عراناودهانا ما دهانا
مذ رقدنا بينأطواء الحفرْ
أيها الطارق ماللّيل طالْفي ظلام ليس يعروه الزوالْ؟
هاهي الأحداث في سافي الرمالفتحت أبوابها دون ملالْ
في اشتياق يضطرمواشتهاءٍ ونَهمْ
ترقب الداخل من هذا البشرْ!
قد سمعت الآن صوتاً ساعياًمبهماً كاللحن يمضي غافياً
هامساً كالشكّ يبدو طاغياًزَجِلًا كالطير يهفو ناغيا
فوق ماءِ النهرأو غصون الشجر
تحت نور الصبحِ أو ضوءِ القمرْأيها الصوتُ الذي يدعو المواتْ
ماالذي تبغيه من هذا الرفاتْ؟من جسوم ثاويات آمناتْ
في قبور مظلمات موحشاتْ؟قد قلاها الساكنونْ
أو غذاها النائحونْمن دموعٍ كالجمانِ المنحدرْ
يارفيقي وخديني في الجوارقد شفت منا الليالي والنهارْ
كأسهَا المُرُّ وأبدتْ للضَّرارنابَ ليثٍ ثائرٍ أيّ مثارْ
قد رَموْنَا فَبِليناوبَلينا مذ رُمينا
ضاقَ منا ذلكالنَّهرُ الكَدِرْ!
ثم خبرّني بحق ياصديقيأين قومي؟ أين أهلي يارفيقي؟
أين أصحابي وخلانُ الطريققد تركت الكلَّ في لهو طليقِ
لستُ أدري هل بقواأم تراهم فُرِّقوا
مِثلما جمع ضوءٌ وانتشرْ!أين قصري؟ أين أملاكي ودوري؟
أين أمي وهي كالقلبِ الكسيرِ؟أين إخوانُ صفائي وسروري؟
أين آمالي وأوقاتُ حبوري؟أين كلُّ الثّرَواتْ؟
قد طوتها الفَلَواتْأو طواها الدهر فيما قد قبرْ!
أين جندي الأقوياء الأمناء؟أين أعواني وصحبي الأوفياءُ؟
أين أموالي؟ لقد ضاعت هباءْوانمحت من بعدنا أيَّ انمحاءْ
بيد الأقدار ضاعتبعد ما عزت وطالتْ
وسنبقى هاهنا ننعَى الأثرْ!
أيها الثاوي ويبغى حكمناضلَّ عنك الأمرُ واسمعْ : إننا
هاهنا من بعد أن حزنا الدُّناسوف نحيا، دون فرق بيننا
في سُهومِ ووجومْوقبور ورسومْ
يستوى الناس وساءَ المفتخرْ!عجبًا من ذلك الغرِّ الدَّعِيّ
كيف يستهزئ بالمُثرى الغنى!أي جنودي : كبِّلوا هذا الغبي
وأذيقوه عذابي وهو حَيّإنه يهزأ منا
إنّه يجهل أناخيرُ هذا الكون بل خير البشرْ!
أين أعوانك ياهذا المليك؟أين من كانوا دواماً تابعيكْ؟
أين من بالهمس كانوا سامعيكقد عولى ركبهم إذ شيعوك
أنت في الأخرى، فحاذرلا تشاكس أو تكابر
أنت في قبرٍ حقيرٍ مندثر!عفوكَ الشامل، إني قد نسيتْ
لم أكن أدري، بأني قد بليتْوبهذا الجدث النائى طويتْ
الضياع الكثر أضحت كالشتيتضلَّةً لي من غبيّْ
قد جفاني كل شيّْوصحابي وركابي المنتظرْ!
كفَكفْ الدمعَ، ونفِّسْ عن أساهْوانس ما خَلَّفتَ من عزً وجاهْ
ودعْ الشكوى، فما تجدي شكاهْبعد ما وَدَّعْتَ أطلالَ الحياهْ
نحن أبناء القبورْنصطلى حتى النشورْ
حَرَّهاتيكَ الخفايا والحُفَرْ
ومتى نخرج من هذي القبورأو متى نُبعَث في يوم النشورْ؟
كيف متنا؟ كيف جئنا للدثورْواستوينا من خفيرٍ أو أميرْ
وشروق أو أفولْوصباح أو أصيلْ؟
قد بدا الصبح وذا بردُ السَّحَرْ!أي رفيقي: لست أدري ما الجواب
لا، ولا ما السِّرُّ في هذا العذابْ؟مذ سُلكْنا في تجاويف اليبابْ!
تحت هذا الصخر، في جوف الترابْلست أدري أي شأنْ
حطَّ في هذا المكانْكان هذا بقضاءٍ وقدرْ!
أوَلا تدري جواباً عن سؤالي؟ياصديق الخير أو خدن الضلالِ
قد ثوينا هاهنا بين الرمالِنبتغي ما ضاع منا في الليالي
أترى أنت عرفتَأترى أنت سمعتَ
ما يزيل الشكَّ، أو يجلو الخبرْ؟
لست أدري في رحاب الموت مَنْمات بعدي، أو تولى مِن زمنْ
كلنا نَبْكي ونشكو ذا الزمنوهو من سُخرٍ بنا كاد يُجَنّْ
كلنا نبكي الأساهْكلنا نشكو الحياهْ
ربما كنا أساري ذا القدرْ!
ربما كنا أساري ذا السكونْأو ضحايا الموت أو ربِّ المنونْ
قد رمانا غيهب الليل الحرونْفنُسينا بين هاتيك الوكونْ
قد تركنا لن نعودْنحو أبواب الخلودْ
ودموع العين منا تبتدرْ!
ها هنا مثوى الورى مثوى الأممْها هنا دار الأوالى من قِدَمْ
وإله الكونِ، هذا المحتكمْسيدكُّ الأرضَ، كي يحيي الرممْ
وسواء من عصاهْأو تغالى في الصلاهْ
قد تساوي الكلُّ في ركب القدرْحدِّثونا حينا يفني الجسدْ
إننا نسألُ ما من ذاك بُدّعن ذنوبٍ عند حصرٍ لا تُعدْ
يوم لا ينفع مالٌ أو ولدْأو جنودٌ أو عدَدْ
أو جلادٌ أو حلدْغير من نجَّاهُ ربٌّ مُقْتدِرْ
يارفيقي بين طيات الرُّمُوسْهل يهودٌ أنتَ أم أنت مجوسْ؟
طالَ فينا النأي والليلُ العبوسْفي ظلامٍ ليس تمحوه الشموسْ؟
وأنا أبحث وحديفي حنين ليسُ يجدي
عن رجاءِ القلبِ، عن مُوحِي الفكرْ
لا تسل عما به مثلي يدينْإن ديني هو دينُ العالمينْ
ولكم عذِّبتُ في ماضي السنينْولقيت الويلَ في كل الشئونْ
ثم لم أكفر ولمْأشكُ مما قد ألمّْ
ويحَ نفسي، لا تُثر هذي الذّكرْ!
ياصديقَ الدهر يا خيرَ صديقْلم أزل أدلجُ في هذي الطريق
ونذيرُ الهولِ في كل مضيقْخفقَ القلبُ له أيَّ خفوقْ
فأراني في الحياةْلابساً ثوب المماتْ
بئسَ ما أجنى وياطول السفرْ!
ديوان شعر

صدى احلامى

الناشر مطبعة وادي النيل
عدد الصفحات 152
تاريخ الاصدار 1936

قصائد الديوان

تفحص قصائد اخرى من الديوان
حب المحال الحيرة تحية الفاروق إلى أمي السجينة الحلم الرائع صدى أنفاس تحية القمر تبكي الحياةُ الحسناء البائسة عتاب إلى ناسية الربيع أمل هبنى أمنية فنانة الطير الهائم خاطرة الروح الظاميء الساحر على شاطئ أسوان الهائمة ياكنار الطير الشاكي إلى أين؟ يأس وأمل خواطر الوحدة أهواك طيور الربيع أيها القلب إلى الفنان بيني وبين الله هل تذكرين؟ صدى أحلامي أتمنى شكوت إلى إلهي

كتب اخرى

تفحص كتب اخرى من اصدارات جميلة العلايلى

حياتها وسيراتها

من الطفولة لخريفها

اعمالها الأدبية

من الشعر والنثر والمقالات

الصالون الأدبى

من الشعر والنثر والمقالات

مكتبة جميلة العلايلى

من الشعر والنثر والمقالات

مجلة الأهداف

من الشعر والنثر والمقالات